مقدمة
ضمن جهوده المستمرة لتعزيز الصحة النفسية ونشر الوعي المجتمعي، نظّم المركز التخصصي للطب النفسي بالتعاون مع غرفة جازان محاضرة علمية توعوية بعنوان “الضغوط النفسية في البيئة التعليمية”، قدّمها الدكتور رشاد بن محمد السنوسي، استشاري الطب النفسي، وذلك تزامنًا مع اليوم العالمي للصحة النفسية. أُقيمت المحاضرة يوم السبت 19 أكتوبر 2019م، وشهدت حضورًا واسعًا من الكوادر التعليمية في منطقة جازان وصبيا، في تأكيد واضح على أهمية هذا الموضوع وحيويته في الواقع التربوي.
أهمية المحاضرة في توقيت اليوم العالمي للصحة النفسية
جاء تنظيم هذه المحاضرة متوافقًا مع اليوم العالمي للصحة النفسية، وهو مناسبة عالمية تهدف إلى لفت الانتباه إلى قضايا الصحة النفسية في مختلف البيئات، ومنها البيئة التعليمية التي تُعد من أكثر البيئات عرضة للضغوط المهنية والنفسية.
المعلمون والمشرفون التربويون يتحملون مسؤوليات كبيرة تتجاوز مجرد إيصال المعلومة، فهم مطالبون بالتعامل مع الطلاب، والإدارة، وأولياء الأمور، والمناهج، والتقنيات الحديثة، ما يجعلهم فئة ذات احتياج عالٍ للدعم النفسي والتوعوي.
من هو الدكتور رشاد بن محمد السنوسي؟
الدكتور رشاد بن محمد السنوسي هو استشاري في الطب النفسي، ويتمتع بخبرة طويلة في تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية، إضافة إلى مشاركاته الواسعة في البرامج التوعوية والتدريبية. ويُعرف بأسلوبه العلمي المبسط الذي يربط بين المعرفة الطبية والواقع العملي للناس، خاصة في البيئات الوظيفية والتعليمية.
وقد جاءت مشاركته في هذه المحاضرة امتدادًا لدوره في نشر ثقافة الصحة النفسية والوقاية من الضغوط المهنية.
محور المحاضرة: الضغوط النفسية في البيئة التعليمية
ركزت المحاضرة على موضوع محوري يمس حياة كل معلم ومشرف تربوي، وهو الضغوط النفسية في العمل التعليمي، حيث تناول الدكتور السنوسي عدة محاور رئيسية تمثل أساس فهم هذه الظاهرة والتعامل معها بوعي واحترافية.
أولًا: ما المقصود بضغوط العمل؟
استهل الدكتور رشاد حديثه بتوضيح مفهوم ضغوط العمل، حيث عرّفها بأنها:
“مجموعة من التوترات النفسية والجسدية التي يشعر بها الفرد نتيجة متطلبات العمل التي تفوق قدرته على التكيف أو التحمل.”
وأوضح أن الضغوط ليست دائمًا سلبية، فبعضها يكون محفزًا على الإنجاز، ولكن عندما تتجاوز حدّها الطبيعي فإنها تتحول إلى عبء نفسي يؤدي إلى الإرهاق، وانخفاض الأداء، واضطرابات المزاج.
وفي البيئة التعليمية، تتجسد ضغوط العمل في كثرة الحصص، كثافة الفصول، الضغط الإداري، تقييم الأداء، التعامل مع الطلاب ذوي الاحتياجات المختلفة، وتوقعات المجتمع والأسرة.
ثانيًا: متى يُقال إن المعلم يعاني من ضغوط نفسية؟
انتقل الدكتور السنوسي إلى توضيح العلامات التي تشير إلى أن المعلم يعاني من ضغوط نفسية غير طبيعية، ومن أبرزها:
- الشعور الدائم بالإرهاق حتى بعد الراحة
- فقدان الحماس للعمل
- العصبية وسرعة الانفعال
- ضعف التركيز والنسيان
- اضطرابات النوم
- الشعور بالإحباط أو فقدان القيمة
- التفكير في ترك المهنة أو كراهية الذهاب للعمل
وأكد أن تجاهل هذه الأعراض قد يؤدي إلى تطور الحالة إلى احتراق وظيفي أو اكتئاب أو قلق مزمن، وهو ما ينعكس سلبًا على المعلم والطلاب والمؤسسة التعليمية بأكملها.
ثالثًا: ما هي مسببات الضغوط في البيئة التعليمية؟
تطرق الدكتور السنوسي إلى أبرز الأسباب التي تؤدي إلى الضغوط النفسية لدى المعلمين، ومن أهمها:
1. عبء العمل
كثرة الحصص، التحضير، التصحيح، والأنشطة المصاحبة، تجعل المعلم يعمل لساعات طويلة دون استراحة كافية.
2. البيئة الصفية
التعامل مع طلاب مختلفي السلوك والقدرات قد يسبب ضغطًا نفسيًا مستمرًا.
3. الإدارة والتقييم
الخوف من التقييم، التقارير، والمحاسبة الإدارية يزيد من توتر المعلم.
4. ضعف الدعم
غياب الدعم النفسي أو التربوي من الإدارة أو الزملاء يجعل المعلم يشعر بالعزلة.
5. التغيرات السريعة
تحديث المناهج، التقنيات التعليمية، والأنظمة الجديدة قد تشكل ضغطًا إضافيًا.
رابعًا: كيف نتغلب على ضغوط العمل؟
قدّم الدكتور السنوسي مجموعة من الاستراتيجيات العملية للتعامل مع الضغوط النفسية، ومنها:
1. إدارة الوقت
تنظيم الجدول اليومي وتحديد الأولويات يقلل من الشعور بالفوضى والإرهاق.
2. طلب الدعم
عدم التردد في طلب المساندة من الزملاء أو الإدارة أو المختصين النفسيين.
3. التفريغ النفسي
التحدث عن المشاعر والضغوط وعدم كبتها داخل النفس.
4. ممارسة الرياضة
النشاط البدني من أقوى الوسائل لتخفيف التوتر وتحسين المزاج.
5. الفصل بين العمل والحياة الخاصة
عدم نقل ضغوط المدرسة إلى البيت قدر الإمكان.
6. الاهتمام بالصحة النفسية
كما نراجع الطبيب للجسد، يجب مراجعة المختص عند الشعور بأعراض نفسية.
تفاعل الحضور ومداخلاتهم
في ختام المحاضرة، فتح الدكتور رشاد المجال لمداخلات وأسئلة الحضور، حيث ناقش العديد من المعلمين والمعلمات تجاربهم الشخصية مع الضغوط النفسية في المدارس، وتنوعت الأسئلة بين كيفية التعامل مع الطلاب الصعبين، وضغوط الإدارة، والإرهاق المستمر.
وقد أجاب الدكتور السنوسي على الاستفسارات بأسلوب علمي عملي، مقدّمًا حلولًا واقعية قابلة للتطبيق داخل البيئة التعليمية.
عدد الحضور وأثر الفعالية
شهدت المحاضرة حضور 174 شخصًا من:
- معلمين ومعلمات
- مشرفين ومشرفات
من تعليم جازان وتعليم صبيا، وهو رقم يعكس الاهتمام الكبير بهذا النوع من الفعاليات التوعوية. - وفي ختام اللقاء، تم تسليم شهادات إلكترونية للحضور عبر موقع غرفة جازان، تقديرًا لمشاركتهم وحرصهم على تطوير وعيهم المهني والنفسي.
المسؤولية المجتمعية للمركز التخصصي للطب النفسي
تُعد هذه المحاضرة نموذجًا حيًا لدور المركز التخصصي للطب النفسي في أداء مسؤوليته المجتمعية، حيث لا يقتصر دوره على العلاج داخل العيادات، بل يمتد إلى الوقاية والتوعية ونشر الثقافة النفسية في المجتمع.
فالاستثمار في صحة المعلم النفسية هو استثمار مباشر في جودة التعليم ومستقبل الأجيال.
خاتمة
جاءت محاضرة “الضغوط النفسية في البيئة التعليمية” لتؤكد أن الصحة النفسية للمعلم ليست ترفًا، بل ضرورة أساسية لاستقرار العملية التعليمية ونجاحها. وقد نجح الدكتور رشاد بن محمد السنوسي في إيصال رسالة علمية إنسانية تؤكد أن فهم الضغوط والتعامل معها هو أول خطوة نحو بيئة تعليمية أكثر صحة وإنتاجية.
وتبقى مثل هذه المبادرات التوعوية ركيزة أساسية لبناء مجتمع تعليمي متوازن نفسيًا وقادر على مواجهة تحديات العصر بثقة ووعي.